قال لي صاحبي الجوجلي:

عندنا في جوجل مشكلة.. الشركة تعاني من مشكلة تتعلق بدوام الموظفين..

فقلت في نفسي: يااه.. حتى أنت يا جوجل؟!

لكنه قاطع حديث نفسي قائلاً: مشكلتنا أن الموظفين يبقون في الدوام أوقاتاً أطول من اللازم!

جوجل طبعاً هي السبب في هذه المشكلة وليس الموظفين.. فهي تمنحهم أجواء وبيئة وحياة أفضل من تلك التي في الخارج.. فلماذا يا ترى سيخرجون؟!

لكن ليست البيئة وحدها هي السبب في مشكلة كهذه.. مشكلة تعلق موظفي جوجل بها..

المشكلة برأيي هي في أهداف جوجل.. أهداف كبيرة.. كحال كثير من شركاتنا.. وهي ليست مصاغة فقط بالكلمات الكبيرة.. كحال كثير من الشركات عربيّها وغربيّها.. بل هي أهداف كبيرة متبوعة بأفعال كبيرة.. فلحق بهذه الشركة من يود أن يكون جزءاً من هذا التغيير الذي تحدثه جوجل في العالم.. والتغيير التقني اليوم كما لا يخفاك.. هو من أقوى ما يغير في عالمنا دولاً ومجتمعات.. أفراد وعائلات.. سياسات ومعتقدات.. أخلاقيات ومهارات..  

جوجل من جهة أخرى أصبحت لا تستطيع أن تبقى طموحاتها محصورة في محرك بحثها الذي تأسست على أساسه.. فموظفيها هؤلاء الذين لا يودون العودة إلى منازلهم.. جالسين لها وفيها يملؤونها أفكاراً.. ويحولون أفكارها إلى منتجات.. ومنتجاتها إلى أموال.. وأموالها إلى أفكار.. وأفكارها إلى منتجات.. وهكذا.. العجلة تدور.. والهدف مستمر ويكبر.. طالما أن المعادلة هذه مستمرة.. ونتائجها تكبر..

جوجل لا تمتلك اليوم أكبر محرك بحث ومخزن معلومات على وجه الأرض فحسب.. جوجل لديها أكبر منصة إعلام مرئي في العالم.. المنصة التي غيرت صناعة الإعلام في العالم.. جوجل لديها أحد أكبر منصات الإيميل في العالم.. لديها أكبر خرائط للأرض في العالم.. بل للقمر وللفضاء.. جوجل لديها أكبر نظام يشغل جوالات العالم.. وأكبر متجر تطبيقات في العالم.. جوجل تحتفظ بأكبر مخزن للصور في العالم.. لديها أكبر تطبيق أو بالأحرى شبكة ترجمة لغات في العالم.. وهذا كله لا يمثل إلا القليل من مشروعاتها..

وهذا كله.. لم يمنعها أن تمتلك كذلك قائمة من المشروعات الفاشلة والخدمات المغلقة كل عام..

وهذا كله.. وهي تقدم هذا كله بالمجان.. ومع ذلك فهي أحد أغنى الشركات في العالم!

هذه هي مشكلة جوجل، وإذا كنت تحب أن تعاني من هذه المشكلة كذلك؛ مشكلة حل مشكلات العالم مشكلة مشكلة (مثلها)، فلا تبحث عن عمل تنتظر منه أجراً آخر الشهر، ولا عن أجير ينتظر منك ما تقدمه له آخر الشهر، بل عن عمل تحب أن تعمله كل يوم، وعن شريك يحب ما يعمله معك كل يوم.

وحتى تجد ذاك العمل وذاك الشريك.. أوجد هدفاً جاذباً، وصمم بيئة ملهمة، أو أوجد هدفاً ملهماً وصمم بيئة جاذبة (كما تشاء).

وعندها قد تجد موظفاً لديك -مثل أحدهم في جوجل- يأتي للدوام ومعه سيارة لامبرجيبي (سيارة مليونية)، موظف مليونير، لم يكسب ملايينه من وظيفته طبعاً.. لكنه أحب العمل داخل جوجل أكثر من الاستمتاع بملايينه التي صنعها خارجها، لأنه أحب حل مشكلات البشرية، وصناعة تغيير حقيقي في العالم..

ببساطة.. وبتدرج.. وبتجرد.. وبإبداع.. وباستمتاع.